الأحد، 25 مارس، 2012

زيارات قوس قزح



أجدني الليلة عارية ، جوفاء ...  تعلوني أمواج الرتابة وتحاصرني سماجة الملل .... جَنَحت سفينتي نحو يابسة غير مأهولة ،تصفر فيها رياح الخواء ليرجع الصدى رخوا : "نحب الحياة غدا .. عندما يصل الغد نحب الحياة." ، وأرقب ذاهلة رمال الأيام تتسلل من بين أصابعي ...وأفكر معي: انتظاري حصاري ؟؟! ... وهل من جدوى للانتظار في هذه القفار ؟؟
أناكف ذاتي بسخرية :  الضجر من صفات البشر .. تختبرين عزلة الآلهة.... انت   آلهة.
أهمس                 : ولكني أختار أن يعتقني الفناء.
قالت                   : تعالي نعقد اتفاقا .
أنا                      : فليكن ؟
هي                    : ماذا تريدين ؟  اذكري لي ما تريدين وارسميه لي لوحة اراها اسمح لك بأن نكسر الانتظار.
أنا                      : سؤال فخ ... لا أعلم ما اريد ولكني بكل تأكيد أعلم ما لا أريد . ويستقر في وجداني اني أعشق البنسفج . ويجرحني أني افتقد البحر منذ بداية عهد الانتظار ...وهو غائب رغم الحضور.
هي                        : ما ضيعك الا محمود درويش وفيروز ... ابعدي عنهم !
أنا                      : لا نقترب الا ممن يعزفون أوتارنا ويترنمون بما نُكِنَ ...آآآآآآآآآآه يا أنا .... قلبي بريء مضيء مليء ...  يرفرف في صدري كفراشة ... يتراقص محتفلا بازدحام الأحباب  ..  أرشف منهم الترياق الذي يعينني على سموم الحياة.
هي                    : الأحباب ؟! ... انت تخلطين الخيال بالواقع ... من تسمين الأحباب هم أغراب شاركوا الجموع بعضا من ذواتهم على شكل إبداع .. ولا يعلموا بوجودك في هذه الدنيا اصلا ... عودي الى أرض الواقع فقد اتعبتني بهذيانك المقيم.
قاطعتها بهدوء فيما غالبتُ ابتسامة رقيقة ارتسمت على شفتي : شَاركونا جوهر الذات فيهم يا أنتِ ... كم هي متعبة هذه الأنا ... مصرة على تقييدي بقيود العادي ... الواقعي .. والمتوقع .. وأنا أتوق الى التحليق كالحمائم البيضاء.. تقبل خد السماء .. أو ربما ... كرجع صوت كمان يراود الجراح والحنين .. ولا يضيرني أن اكون إيقاع طبل يزرع الفرح ويبشر بالبهجة ... لكن يبدو أني عالقة في هذه القفار حيث لا يجدي سوى الانتحار.
إذن  ! فلننتحر ودون إبطاء ... لنعانق الأبدية ... تسلقت حاجز السفينة الشاهق وأشرفت على القفار المجدبة .. سأترك الدنيا بلا ذكرى حتى لوريقة شجر ترتسم في مقلتي قبل الغياب ! ... أغمضت العينين وقفزت بشهوة الاستسلام الى الفناء .. سأختبر الطيران والتحليق أخيرا حتى إن كانت نهاية الرحلة ارتطامي بأرض جدباء ... لا ضير .
أفرد ذراعيَ ... أخترق الهواء وربما هو من يجتازني ... سريعا ... جامحا ... مجتاحا...  أبطأ؟؟!! ... أبطأ ... فسكون ؟؟!!! ... حتى السقوط يخون توقعاتي ؟؟؟!! .. تباً لي ! ... لا انجح في اي توقعات !! .. حتى الجاذبية تخذلني !!!
 أفتح عيني لأراني منتصبة القامة ... امتطي الريح فرس عاشقة ... تحملني بغنج  ... تحملني فوق جبال ثلجية ناصعة تمتد عبر الأفق ... وندف الثلج تتساقط حولي كرات قطنية ... ولا برد ولا زمهرير ... هطول قبلات الفرح الدافئة تغمرني ... أرتقي بجسدي لأتلقى الثلج المتساقط بكفي ... يختل توازني ويدور جسدي ليطفو ... اجدف بيمناي لينزلق جسدي يسارا ... اكور جسدي فأدور دورة كاملة ... أعوم جوا ... انشغل بحركاتي البهلوانية وأتذوق جسدي خفيفا حرا من قوى الشد ... وتنطلق راقصة الباليه المدفونة داخل جسدي الثقيل ... لتتمادى ... رقصا ... وقفزا مستحيلا ...  آه ٍكم حلمت بهذا!
بروية وهدوء عاشق متمرس يطغى لون برتقالي ضارب الى الحمرة يلون سمائي ... وينتصب شجر عتيق ذهبي الأوراق ... أسافر ورقة خريفية تراودها الريح ويلفني شال الغيم المخملي روحا وجسدا ... تربت الريح على أكتافي وتسافر في جديلتي لتنثرها ينابيع سماوية ... ينتشر عبق التربة بخورا فيملأني ويفيض خصبا يعانق الريح الحنون وهي تغزل لي فراشا من ضباب فتتعلق روحي في اللامكان
أبتسم بكسل لهذه الذراع التي تطوق خصري بإحكام وينتشر الدفأ في مفاصلي... يبرز قرص البرتقال متوهجا في عيني .... يطرق اجفاني بشعاع لعوب ... وينساب ليلهب الشفاه... يلفحني اللهيب . فتفيق دمائي حارة متدفقة رعناء ... انتفض فأخلع أيامي واغتسل بشلال الاشعة المتدفق يحيلني هالة من نور... تتجمع الأشعة من حولي وتنجدل أرجوحة تحتضن أردافي ...اقبض على حبال القصب المضيئة بقوة وأرفس غيمة بقوة  لتعلو بي أرجوحتي  وتقذفني جمرة في حضن الشمس ... أذوب واتبعثر... تلمني أمي الشمس جنينا في رحمها وتنسجني من جديد ... خيوط من ذهب ... يكتمل الخلق ويطلقني المخاض اللطيف شعاعا يجتاز المسافات الكونية بلحظات حتى تستقبلني الأرض زرقاء ... تنتشر اليابسة على وجهها الرائق كحبات نمش تلوح في وجه اجمل الصبايا ... أسافر في الأجواء الرائقة ... اجوب الشواطئ وأدغدغ أنوف الأطفال ... اشاكس الشباب ...وأحتضن الشيوخ ... وأتابع الترحال ...
تلوح لي شقائق النعمان خجلى ... أحط رحالي وأهبط في حقل بري من الزهور ... تومئ لي سنابل خضراء بعيدة عبر المدى وتنحني رؤوسها في إشارة ترحيب حميمة ... استجمع شتاتي وأتكيف مع جسدي الغائب للحظات... تتمرد الروح فتترجل... الى نبع الطفولة تحاذيه ... تقود خطواتي بطيئة وحالة من الخدر اللذيذ تلف حواسي ... تتداخل الحواس فأسمع عبير الأزهار المختلطة تعزف سمفونية انسيابية الايقاعات تتخللني ... وأشم ترقرق صفحات الغدير ...  يسكرني! أدوس أشعة الشمس المتلألئة على صفحة النبع الصافي سجادة حريرية الملمس تُقبّل باطن القدم برقة .. انتشي فيخطفني التماهي مع المحيط بكله ... لا يميزني ولا أميزه ... أولد من قلب عريشة ياسمين طفلة مبعثرة الشعر حافية القدمين ... طفلة تغرس ملامحها الجذلة في القلب فتطرح بهجة... تلاعب عشب الأرض وتحتضن النسمات ... تتطاير الفراشات من تحت أقدامها سربا لعوبا  ... يمتد رنين ضحكاتها جسرا من قوس قزح ... تتراكض في جميع الاتجاهات ... تداعب ارنبا يلاحقها وتلاحقه .. تتجاوز الأرنب ملوحة بكفها الصغير ... تتوسع الخطى .. وتتصاعد وتيرة الجري ليكتسب الجسد الصغير زخما فينطلق قذيفة عبر قفزة مشاكسة وتحلق في الهواء .... تلتقطها ذراعيه احتضانا ...تتعلق برقبته وتتأرجح كبندول ...  تعانقه بقوة وتمرر ظاهر يدها الصغيرة على وجنته وتطبع قبلة مشتاقة.
تصرخ بأعلى الصوت : وينك !!! ما أنا اشتقتلك !!  

الاثنين، 30 يناير، 2012

بلورة سحرية




ما كنت يوما من أصحاب الصمت ، ولا من أميرات غوايات العزلة ، أعشق التعبير الحر العفوي  وأحتفل بالعري والانكشاف .. لا أفهم من يحيط نفسه بهالة من الصمت والغموض ... ولا اراه إلا نوعا من ضيق الأفق ... من يحتمي بالصمت والعزلة يخيل إليه أننا نتشكل من طبقة واحدة ما أن نكشفها ونعريها حتى يتضح من نحن وما نحن فيؤثر الاحتماء بالصمت ...  ويغيب عنه أننا بهذا الانكشاف الأولي ما زلنا ننظف عتبة الدار من الأعشاب الوحشية  لنخطو الخطوة الأولي في الممر السحري المؤدي اليَ أو اليك....إن انكشاف الواجهة لا يفضي بالضرورة لسماع الصوت الداخلي فما بالك ونحن نحجب حتى هذه الواجهة ؟

أبعثر واجهتي الخاصة وأنثر فيها صدر بيت من الشعر هنا و ترنيمة من مقام موسيقي هناك ، وخليط مرتبك من الألوان يحمل عنفوان لوحة نشوانة،وفي الجانب البعيد تستقر منحوتة انثوية الانحناءات شبقة النداء،تستدرج اللمس الحنون لتصعق اللامس ببرودة الرخام الجامد... ونثر لا يسعف القارئ إلا بشهوة السبر والاكتشاف  ... دنيا من فوضى الاحتمالات المشرعة...فوضى مصممة بعناية ومنثورات متنوعة ... متناقضة... مبتورة ، تغري باستقصاء التلاحم والاكتمال ،تراود ذلك الساذج المسكون بأنانيته ليصطدم بجدر من البلور المصقول تعزله عن هذا العالم المسحور كلما هم باقتحامه.
 هو سيرك يضج بالحركة أحيانا والسكون المترقب الخاطف للأنفاس أخرى ، يطبق الصمت الثقيل أحيانا فيما يرتفع ضجيج من الأصوات الهادرة المختلطة بالقهقهة والعويل أخرى ،خليط مرتبك صاخب يبهرك ويعميك عن ذلك الزقاق الضيق المختبئ تحت ركام الفوضى التي نُسِجت لتحتويه في العمق اللا مرئي لرحم التكوين.  



أتوارى خلف المشهد - الواجهة وأتابع مرتاديها وزوارها بعيون خفية ، معظم المارين يلقي نظرة سريعة لا يتبعونها بأخرى ، فيما يتضخم فيهم الأنا وينتفخ صدره بخيلاء ديك يؤذن للفجر ، يصيح لنفسه بكل ما أوتي من قوة ... "أنا الصواب هي الخطأ  "أنا العمق – هي السطحية" " أنا التنظيم – هي الفوضى" .. " أنا الأصالة – هي التغريب" ، ويكفيهم هذا الانتصار المفاجئ السهل والآتي على عجل ليحثوا الخطى وينطلق كل الى شأنه الخاص مزهوا بنفسه دون أن يمنح ما رآه نظرة متفحصة تقلق نشوة  الانتصار الخفي للأنا المعبود ، فيما ينزلق كل منهم الى فخ البشرية العتيق ووهم خلط العفوية بالسطحية.





يتواصل تدفق الديوك المارة، لا شيء يستحق المتابعة ... يلوح وغد يتلكأ يقترب أكثر من الجدار البلوري ليدقق في المشهد دون اي اهتمام حقيقي ، تتنقل نظراته بين مكونات المكان المضطربة ، لا يحفل بها ... ويتابع في كسل حتى يرجع بصره بصورة المنحوتة الأنثوية ... تلتمع عيناه بالشبق المدفون ...يتحين فرصة خلوته بالواجهة فيحدق بتفاصيل المنحوتة ... فيما يتلمس الجدار البلوري علًه يجد طريقة لاقتحامه والتواصل مع تلك المنحوتة ... وعندما يعدم السبيل ، لا يجتهد في المحاولة ... انما يتلمس قضيبه ... يمارس الاستمناء ويرحل .

 سيدة مهندمة ينم مظهرها عن الحزم والتحفظ ... تستطلع ما ترى وباهتمام حقيقي .. تقترب أكثر من الواجهة  كالمجذوب ... مأخوذة ... تضمحل الجدران البلورية وتتحول لغلاف زئبقي يسمح للسيدة باجتيازه بيسر ... تخطو داخل المشهد بعفوية ... تنهمك السيدة في اقتطاف مفردات من النص النثري تنتقيها بعناية تلصقها متتابعة لتشكل عجز البيت الشعري ... وتعيد ترتيب مفردات النثر لتشكل جملا تفهمها ... تجتهد وتجتهد ... ترتب وتنمق ... تبدل وتستبدل ... تقف بوقفة شبه عسكرية ... تعاين باهتمام نتيجة الجهد الذي بذَلت ...  لا يعجبها ما ترى ... تخلط الحروف وتشرع بترتيبها من جديد ...





يهل  من الجانب الآخر رجل تنم هيئته عن اللامبالاة ... يلقي نظرة متفحصة شاملة ... ثم يمضي في طريقه ... يخطو بضع خطوات ثم يقفل راجعا ... يتفحص المشهد عدة مرات ... فيما يغير زاوية الرؤيا ويتحرك مقتربا ومبتعدا ... يبرز في مقلتيه اهتمام صادق ويخطو هو الاخر داخل المشهد من خلال البوابة الزئبقية ذاتها  ببعد موازٍ للسيدة ... يتحرك كل منهما في بعده الخاص لا يرى الآخر ولا يشعر به ... تنزلق كفه الى جيب داخلي في معطفه ... يستل منها ناي عتيق ... يمرر انامله عليه ... يتحسسه بشوق العاشق المكلوم ... يتخذ ركنا مجلسا ويحتضن نايه بأنامل الحنين ... يأخذه ما بين الشفتين وينفخ فيه من أنفاسه ليهديه الحياة ...تدب الحياة في أوصال الناي ... عاشق معشوق ... يفيق على مهل ... يفتح جفنيه على قبلات ترسم الشوق وشما على جسده الرقيق ...  ينطلق نغم شجي خافت... 
يلمع برق شديد يخترق البوابة الزئبقية  فيتقد المشهد ضوءً مبهرا يحيل المكان بأسره الى صفحة من اللجين اللامع ...  ينجلي المشهد عن شاب في أواخر عقده الثاني ... مرهق القسمات ... مغرق في الجدَية ... يباشر من فوره ويغمس ريشته في لجة الالوان المبعثرة ... يرسم عدد من اللوحات على التوازي ... يرسم بفيضان نهر هادر في لحظة اتحاده الكوني بالمحيط اللانهائي ... باهتمام وشغف مطلق ... يغيب عن الوجود ويخلق عوالمه ... يتحد بلوحاته فترسمه ...
في ذلك البعد الموازي بدأت السيدة ترتد الى داخلها وتلين حركات جسدها  ...رقصت حكايتها ... فبدأ النص يستقيم ليروي قصتها ... خيبة املها العظيمة وعمر ضاع مقابل خديعة شرعية... ترجمت خطوط تاريخها التي خطت عميقا في روحها أحرفا ومفردات... أخاديد الغدر التي حفرت بعيدا في الوجدان تتفجر كالبركان وتفيض حممه لاهثة حارقة متوهجة ... اخيرا امتلكت الوقت والمساحة لتسرد ما تريد كما تريد .. تقفز عبر الزمن .. فتسرد نهاية القصة .. وموقف من بدايتها .. وقد ينزف موقف الخيانة فيفرض نفسه ...
تجلت روح اللوحات... أخذت تتطاير مسكونة واحدة تلو الأخرى .... تنتصب في الافق معلقة في الهواء ... أطلت منها وجوه ثكلى وعيون تنضح بالفجيعة والفقد ... ملامح تبوح بغصة الأسى وكمد اللهفة...  تحتضن الشهيد ... أم ... حبيبة ... والد ...صديق ... او رفيق ... شهداء ... شهداء ...  شهيد في لحظة الوداع ... آخر أسلم الروح لبارئها لتوه ... ثالث يرقد في درج المشرحة ينحني والده ليقبل قدمه الباردة في رقاده المهيب ... جريح يحمل شهيد ... حرة ترقد على الاسفلت شبه عارية يدوسها أوباش في غلٍ وتشفٍ ... وفي كل منها حضور لبزة عسكرية ... وجوه كالحة  ... تنطق البطش والقهر ...

تصاعد اللحن الموجوع الآتي من رحم الناي العتيق ... يحمل شجن كونيً مسافر ... تسلل عبر الأبعاد ...عانق النص و احتضن اللوحات ....فانتفض ذلك حسرة ونزفت تلك اللوعة ... تزاوج اللحن مع كل ما تخلله فالقى في المحيط بذرة الحياة ... انقلب النص قلبا نابضا ينزف دماءً حارة ...وتحركت الشخوص في اللوحات فتدفق دم الشهيد مخضوضرا حيا تَمطُره اللوحات غيثاً...فيما تسربت الدماء الى حروف النص فلونتها وفاضت قطرات لم تلبث إلا ان اصبحت سيلا جاريا من دماء ... كسرت الدماء تمايز الابعاد فانحدرت تجذب احداها الاخرى كقطبي مغناطيس ... تعانقت وتلاشى الفارق ما بين العام والخاص ... توحد الوجع ففاض !
فاض الوجع عن طاقة الاحتمال البشري ... انقطع اللحن فجأة وسرى الصمت ... انطلق من حنجرة الشاب صراخ لا نهائي مجروح ... صوت فوق آدمي ... يتلون ما بين صوت تكسر حاجز البرزخ يلطمه جناح ملاك شديد ليتحول الى عواء ذئب شريد يناجي ظله...... انهار الفتى جسدا خائرا فيما تخافت صوت صرخته لينتهي نشيجا متواصلا مكتوما... قفزت السيدة من بُعدها الخاص تتعمد بدمعها ... توجهت نحو الشاب وأكبت تحتضن جسده المتكور جنينا ليختلط صوت بكائهما معا ... 
عاد العزف حنونا رقيقا ... وارتسمت أحرف النوته الموسيقية ممرا يقود الى الزقاق – البوابة الذي أصبح مضيئا وهَاجا ... انتبه الباكيان وانتصبا واقفين ... كفكفا الدمع وامتشقا التحدي .... بزغ الأمل فجرا بدد الضباب في أحداقهما ... تبعا أحرف النغم يرافقهما عازف الناي العتيق ... تسرب النغم الى العالم المسحور فيما وقف ثلاثتهم على عتبة الزقاق... تأهب الشاب للولوج ونظر الى العازف ان اسبقني فأشار العازف في حركة موحية الى رسغه أنه على موعد مرتقب في مكان آخر .... اجتاز الشاب والسيدة العتبة الى الداخل يرافقهما ذات النغم فيما تابعهما العازف بنظراته حتى تلاشى ظلهما ... رد الناي الى جيبه وقفز عبر البوابة الزئبقية خارج الواجهة ... رمق جدر البلور تتشكل مرة اخرى ... أطرق برأسه قليلا ... واجه الواجهة ... طبع قبلة على كف اليد وأطلقها في الهواء ... فيما انطلق نحو موعده اللاحق.
.
.
.
.

وأنا ..... وقفت أرحب بالوافدَين الجديدين بابتسامة ....

الأحد، 11 ديسمبر، 2011

شيء ما ..... يحترق


بالأمس، أيام الصبا كنت أبكي بوفرة محيط متفجر .. تنهمر عبراتي كالشلال الدافق فتعمدني ... ويجتاحني شهيق داخلي عظيم يقترب من الفناء يصاحب الأمواج المتكسرة على صخور ريف العين...اغتسل فيها لأعود طاهرة نقية من أدران الحزن واليبس، فتتحقق لي براءة كاملة من الأحزان .
 أما اليوم فنادرا ما أفلح في سكب عبراتي،  وحين تباغتني وتنهمر في أكثر الأوقات غرابة وإحراجا ودون تحريض منطقي ... فلا أعدو أن أكون مشدوهة العينين .. محدقة في الفراغ .. لا يرف لي جفن .. فيما تسيل قطرات خرساء ملحية تحفر أخاديدها ألأبدية في الروح. ما عادت دموعي تحررني ... هي فقط سكب الأسيد على جرح مفتوح يعمقه ويكويه ... يأكل لحمه فيتجلد ويفقده أي احتمالية للالتئام.... هي احتفالية نُدب الروح . 

الأربعاء، 16 نوفمبر، 2011

حوار


مررتُ اليوم بحوار اقرب إلى مشادة بين صديقين ... هو "العقلاني المتشكك" يسخر بمرارة من ما يتردد من تجلي العذراء للمؤمنين، وهي "المسيحية المؤمنة" تستشيط غضبا وتمتلئ غيظا من السخرية وتورد الكثير من حوادث تجلي العذراء لتثبت صدق وواقعية التجلي وتنفي عنه صفة الوهم. ابتسمت ببلاهة وأنا ارقب سطورهما تتوالى ، كانت الصورة وحشية الوضوح ، هو يحتاج كفره ليقوى على جحيمه الخاص فهو يعلم يقينا أنه إن آمن "بالتجلي" سيركن وتكل قواه عن مقارعة هذه العاهرة المدعوة "الحياة" وبالتالي سيخسر رغبته وقابليته لمضاجعتها وسيواجه موتا داخليا محققا، وهي بعالمها المحصور في ممر ضيق ما بين جدر عملاقة من الأخلاق والشرف أقامها آخرون حولها ، تطمئن نفسها في كل خطوة أن نهاية هذا الممر المعتم الضيق الكريه ستؤدي إلى آفاق رحبة سماوية ، ولتأكيد الأمل وللتجلد على الاستمرار يجب أن يكون هناك تجليات متفرقة على طول الممر... في خضم معركة كل منهما مع الحياة غابت عن كليهما حقيقة أننا فئران في متاهة ... كل منا وضع في لحظة ولادته على أعتاب مسار ما من هذه المتاهة ... وطفق يعدو مرات ويترنح أخرى وربما داهمه التعب ليجلس دون حراك للحظات ... وربما أغراه يأسه بنطح جدران المتاهة حتى دمي رأسه ... تتقاطع مسارات المتاهة لكل منا مع مسارات آخرين .. وبكل غباء نتوقع أن المحطة الشخصية لكل منا في زمن ما من طريق المتاهة يجب أن تتشابه ومحطة آخر نجتازه أو يجتازنا ؟؟؟! ، كيف ؟؟ ... وكل منا قد بدا مشواره من نقطة انطلاق مختلفة في زمن مختلف ومسار شيُد له بالذات لا لغيره ؟؟!!  ...ورغم أننا في لحظة ما نتشارك نفس الحيز المادي – الزمني ولكن هذا لا يستدعي بالضرورة مشاركة الحيز الروحي أو المعنوي سمه ما شئت.

أسلاف .... وصديقة


أملك نظريتي الخاصة عن علاقتنا بالمحيط حولنا ، فعندما تأملت ما يحدث منذ لحظة الولادة للجنين أيقنت أنها هي نفس لحظة بداية فناؤه ، لحظة الميلاد ... هي بداية سلسلة انفجارات الكوكب – الإنسان ، منذ أول صرخة يطلقها المولود يتناثر بعضه  شظايا تلتصق بما حوله ومن حوله ويبدأ رحلة الفناء ، وبالمقابل يتلقى شظايا متناثرة من كل من يعيش في محيطه فتلتصق بكينونته .... نتبادل الشظايا لنعود ونرسل جزء منها خلال الانفجارات اللاحقة. وتيرة الفقدان والهدم بالتاكيد أسرع من وتيرة الاكتساب في عالم التشظي وفي يوم ما لن يبقى ما يشعل فتيل انفجارات وسيذوي الجسد ليعانق الفناء الكامل.
صديقتي، غضبت مني لاستخدامي بعضا من جمل والدتها الأثيرة في بعض ما أكتب، قررت هي بأحقية علاقة "الدم" أنها لا تعطيني الإذن باستخدام مفردات وأقوال درجت والدتها خلال حياتها على استخدامها. كانت الصديقة قد فعلتها قبلا وحاولت أن أتبين منطقها في الرفض فلم استنتج  سوى أنها ترى والدتها وذكراها كملكية خاصة !، واحتراما لعمق العلاقة آثرت عدم استخدام هذه الجمل ونسيت الموضوع برمته حتى الأمس حين عاودني الحنين فكتبت وهي كررت نفس رد الفعل.
عفوا يا صديقة، ولكن من أعطاك الحق في التحكم بروحي وما التصق فيها من شظايا سواءً من والدتك أو من غيرها ؟؟ ، ألا تعلمين بعد أننا لا نملك الأسلاف والآباء ولا نملك الأبناء ؟؟ ، ألا تعلمين أننا مجرد ممرات للقادمين الجدد إلى هذه الحياة ... ونحن بدورنا وصلنا هنا عبر ممرات أسلافنا ؟؟ ، من الذي أوحى إليك أن الأم التي تعرفين هي ذات الشخص الذي أعرف ... ألم يتبادر لذهنك ولو للحظة أنني عانقت منها جانبا لم تعرفيه فيها ؟؟ وماذا يضيرك أن تري حبيبا يتجلى بعيون آخرين ؟؟
لا أفهمك ... ولا أعتذر ... ولن أعتذر.

حياة


أكرر لنفسي جملة قرأتها في رواية ما "لقد سقطت على وجهك في الجحيم، وعليك أن تصنعي أفضل ما في ذلك"، هذا ما فعلت وهذا ما افعل. ، لا أخفي اهتمامي واحترامي الخاص لكل من سقطوا في الجحيم وصنعوا أفضل ما يمكن دون استعراض القوة والصلابة وبالمقابل دون استجداء الدعم أو المساندة... والأهم دون إخفاء للتشوهات والمرض الذي يعتريهم خلال الاحتراق المقدس ... دون اصطناع الحكمة والوعي بأن القفز إلى براكين الجحيم كان قرار متعمدا منهم  ... ودون الشعور بعقدة التفوق الأجوف على آخرين يعيشون على مقربة من فوهة البركان ولا ينزلقون إليها...  أحتفل بالصدق الحقيقي دون ميلودراما أو خجل مبتذل.